• Accueil
  • > politique
  • > إحياء علوم السياسة : المعارضة التونسية نموذجا

إحياء علوم السياسة : المعارضة التونسية نموذجا

 

 

أقدمت المعارضة التونسية في أكتوبر 2005 على إضراب جوع جماعي دشن عهدا جديدا من العلائق السياسية بين الراديكالية الثورية و الدينية. حيث تعدى التحالف الظرفي بين الطرفين إلى استرجاع روابط ثقافية وتاريخية صفقتها الإيديولوجيا و نسفت فرص الإنتباه إليها. لكن للتاريخ رأي آخر

 

التقى الناشطون السياسيون في تونس سنة 2005 للإحتجاج بأجسادهم عن ضيق جماعي بغياب الحريات. ضرب الجماعة موعدا رمزيا للدخول في إضراب عن الطعام: ضحى 18أكتوبر. أي ضحى انتظام القمة العالمية لمجتمع المعلومات التي شدت الرقاب إلى العاصمة الخضراء. رفع الشمل السياسي التونسي من أقصى يساره إلى أقصى يمينه وعلى دفتي وسطه ثلاث مطالب تاريخية:

 

  • حرية التنظم

  • حرية التعبير

  • العفو التشريعي العام

 

دام الإضراب شهرا أو ينيف وحدثت عنه صحف الغرب وبعضهم في الشرق. دون اعتبار صحافة الرأي التونسية. وبُعيد الحدث بل ربما إبانه, تحول الإضراب إلى حركة, نعم, صرنا إلى حركة 18 أكتوبر, قبل أن ننتهي إلى هيئة 18 أكتوبر..بل أخيرا إلى إعلان 18 أكتوبر للحريات.

ليس تعنينا هنا مطالب الجماعة, كما لا نهتم بنجاح أو فشل تحركهم. نطرح فقط أسئلة حو ل السلوك السياسي الذي ساد المبادرة.

كيف نفسر التقاء الإسلاميين و الشيوعيين الراديكاليين لأول مرة في حراك احتجاجي موحد؟ لم صار التحالف السياسي المؤقت استجماعا مذهبيا معلنا تحت راية حركة مدنية جديدة؟ هل تجلت بعض التغيرات الأساسية في السلوك السياسي للمعارض التونسي الراديكالي عقب 18 أكتوبر؟

 

تحالف غير طبيعي

لم يكن محتوى المطالب الأمر الأهم لدى المتابعين بقدر ما انشدّوا إلى التركيبة المذهلة للمضربين.إذ لم يحدث قبل بالمرة أن اجتمع حزب العمال الشيوعي التونسي بحركة النهضةالإسلامية في غرفة واحدة ممضين على بيان واحد, متفقين دون قيد أو شرط حول مطالب ثلاث!!! بل إن المحررين السياسين اعتمدوا اصطلاح « التحالف الغير طبيعي » بين العدوين الحميمين.

هذه « الكلاسيكية التحريرية » لا توفي بالمعنى حسب نظرنا. ثم هي لا تغور بالعمق و تدعو للضجرحقا. نشير إلى ذلك لأن كل التحالفات على مر العصور هي تحالفات غير طبيعية!! إذ لا يحدث التحالف إلا بين الأعداء أما الأصدقاء و آل الفكر الواحد فلا حاجة لهم بعناء التحالف للعمل المشترك. ما يجمع هؤلاء يعود إلى « لم الشمل« ,   »رأب الصدع » « إصلاح ذات البين السياسية » أو  « توحيد الصفوف«  . ولا يقع البحث عن التحالف كضرورة تاريخية إلا في حال الاستحالة الموضوعية لكل ما سبق!!

على صعوبته و عدم السيطرة على نتائجه العملية و الفكرية, فإن التحالف هو الوسيلة التاريخيةالمباشرة والسريعة لأي قلب أو تغييرهيكلي لسياق سياسي معين. ذلك أن التاريخ السياسي يتحول من حقبة لأخرى ومن بنية لأخرى عبر ميكانيزم التحالف هذا. في حين لا ينشأ عن تقارب الأصدقاء السياسيين إلا تعزيز فيلق أو آخر داخل نفس السياق نفس التركيبة و نفس الحقبة السياسية

ماحدث بين الأعداء السياسيين بتونس لم يكن في البداية إلا استهلاكا محدودا لميكانيزم التحالف. ولكن و ككل نواة تحالف شرعت القواعد بالتململ و القادة بالجدل. و ككل نواة تحالف تعالت صرخات التخوين و شذرات الإنقسام داخل كل طرفثم بدأت دربة الهدنة الإيديولوجية القاسية و الإمساك عن عاطفة العداوة العلنية وتصعيد العنف الأزلي بأشكال أقل بدائية. كل ذلك أعلن بداية السياسة من حيث بدأ العقوق الإيديولوجي1و فرض التاريخ شروطه السياسية لتغيير السلوك المعارض في تونس,كما فرض نهايةً مسرحيّةً لحرب البسوس بين الأسلمة و المشيعة.

 

من الإضراب إلى الحركة

كان يمكن لتحالف 2005 أن ينتهي بانتهاء إضراب الجوع. وهو فعلا ما دعا له البعض داخل المعارضة الراديكالية. إلا أنه حدث شرخ أساسي في منظومة السلوك السياسي للمعارض الحركي بتونس. لقد كسر بطريقة شبه عدمية تابوه القطيعة المطلقة مع العدو و رفضه « المبدئي » للحوار والتفاوض معه. فبمجرد شهر من الإحتجاج الجماعي تحولت ضرورة التحالف الموضوعي إلى اكتشاف لقواعد العمل السياسي الإصلاحي المستقلة تماما عن « رياضات القتال » الإيديولوجية. بل يمكن القول أن بعضهم اكتشف مجالات رمزية أخرى مختلفة عن إيديولوجيته, إذاكتشف أن لعدوه الفكري نفس الرموز التاريخية والأدبية, نفس الذائقة الجمالية. نفس المنظومة العائلية بل ربما نفس الأهداف الأخلاقية. هذا الشرخ حدث في ما يمكن ترجمته بسلم التمثلات2. بمعني أنه تم استرجاع تمثلات و رمزيات و محتويات ذهنية كانت موؤودة أو لنقل مكبوتة تحت وطأة الإيديولوجيا. فأصبح للوطن التونسي معنى جامع واستغرقت مرجعية الحقوق السياسية الجميع دون إقصاء كما بات التاريخ النقابي إرثا موحدا. ولم يعد لتصنيفات الإيديولوجيا السياسية قيمة مطلقة في تحديد المعارضين بقدر ما طغت حقوق الإنسان على التقسيم السياسي. أصبح الرجعي و التقدمي و المتغرب و الناصري مواطنا ممنوعا من المواطنة السياسية, يحترم لذاته لا لمحتوى نظريته المدنية. كل ذلك لا يعني أن الرجعي صار تقدميا و إنما المعنى أن الرجعي بداية هومواطن ثم أشياء أخرى كثيرة حين لا ننظر له من خلال الإيديولوجيا السياسية فحسب. ليس هذا بالإكتشاف المذهل طبعا بل هو ليس اكتشافاأصلا وإنما عودة لتمثلات و تصنيفات ذات صلة بالمشترك الثقافي والبيئي. بطريقة أكثر بساطة استعادت الرابطة الثقافية بين فردين تونسيين وظيفتها الأساسية في التواصل بعد أن بخستها الأيديولوجيا السياسية بطريقة قسرية

إن ما حدث ليس بالأمر الهين, إنه ترتيب جديد لهرم التصنيفات الذهنية و ما يتبعها من اضطراب في برمجة السلوك و الإدراك بل إنه تعلم قاس وغير محسوم سلفا لفصل عاطفة العداوة عن عدو الأمس

أخذ التحالف البدائي طريقه إلى رابطة أرحب من فضاءالمصلحة المشتركة. صار ذلك حركة مدنية بين مواطنين يطالبون بالحريات ليس لطيفهم السياسي فحسب بل للجميع. دعنا هنا نؤكد خلافنا مع التفسير التكتيكي الصرف الذي يربط إضراب 18 أكتوبر 2005بنظرية الخصم الموحد و نواصل الدفاع عن فرضية عودة رابطة ثقافية سابقة لروابط الإيديولوجيا في الذاكرة طويلة الأمد3 لدى المعارض الراديكالي التونسي. مردّ ذلك أن نظرية الخصم الواحد أو المصلحة المشتركة كانت تقتضي انتهاء التحالف بانتهاء الإضراب أو بانتهاء نشاط آخر, أمّا وقد نحى التحرك الجماعي منحى الحركة المدنية المستقلة فتلك مسألة تتجاوز الضرورة الظرفية وضغوطها. لذلك نذهب إلى أن حركة 18 أكتوبر -وليدة الإضراب المشهور- ليست إلا استدامة إرادية لتلكم العودة بل محاولة لإنجاحها بحيث يمكن استرجاع روابط أساسية سلسلتها الإيديولوجيا

 

نهاية حلم

لم يتم هذا التغير بشكل تصاعدي متسق. وإنما كان المد و الجزر و الشد العنيف من قبل بعض الأطراف المحافظة يسارا وإسلاميين إلى رابطة الإيديولوجيا بل إلى الحزب كأقصى إطار للعمل السياسي المشتركفقرأنا من جديد خطاب الخوف من المجهول (وهنا المجهول ليس إلا الخصم الإيديولوجي) و التحالف غير الطبيعي و غياب القواسم المشتركة إلخأي كل مفردات الخطاب العرقي المحافظ, الذي يصنف الأفراد نهائيا داخل أو خارج المجموعة الأم!!! واستبسلت هذه المجموعات مستندة إلى تراث الصدام و القتال الفكري وحظيت بتشجيع قوى « فرق تسد » داخل الإنتهازية الرسمية إلى درجة أنها نجححت في إعادة بناء حركة 18 أكتوبر على أسس إيديولوجية. فبعد استلهام القواعد المشتركة للمواطنة واسترجاع الروابط الثقافية المنسية نزع الحوار إلى تحديد القواعد « الإيديولوجية المشتركة » وموقف اللإسلاميين من اللائكية ثم موقف اليسار الشيوعي من حرية المعتقد!!!إلى أن صار الإعلان عن بيان هيئة 18 أكتوبر حول العلاقة بين الدين والدولة المنبثق عن حفيد إضراب 18 أكتوبر 2005 نعني بذلك منتدى 18 أكتوبر لحقوق والحريات. تم التطرق أساسا إلى الإسلام السياسي و ضرورة حسمه في حرية المعتقد والمرجعية الدستورية البشرية لدولة مدنية. كما أشير باقتضاب تكميلي إلى احترام الهوية التاريخية (فالمجتمع التونسي له هوية أيضا!!!)… أخذ ذلك شكل التسوية السياسية مثلما كتب الإسلامي الصحبي عتيق في تعليقه عن البيان4. وسعى الجميع إلى الإتفاق و الإجماع حول المسألة الأساس أي رفض الدولة الدينيةوبمعنى أقل لبسا إرساء اللائكية على شاكلة الدولة المحايدة دينيا.

لقائل أن يقول أن هذه النتائج عظيمة. له ذلك طبعا. لكن ما يهمنا هنا هو حيثيات و طريقة الحسم في تلكم القضايا المفصلية. إذ من المهم أن يتطور الإسلاميون ولكن كيف؟ وهل من دور المنتديات القطع في قضايا جوهرية بشكل تشاوري تفاوضي؟

فرضيتنا في هذا السياق تؤدي إلى أن تطور الرؤى الفكرية لا يأخذ شكل التسوية أو الحسابات الوفاقية. بل هو بحث مستمر وصادق عن الحقيقة. وهو بحث حر لا يخدم مصلحة مشتركة بل يستجيب إلى شروط المعقولية أيا كان سندها. إن موقف الإسلاميين من الدولة الدينية و موقف الستالينيين من الديمو قراطية لا يحسم ببيانات مشتركة و إنما بنشر الرؤى الفكرية المستفيضة الدقة علنا و بشكل اختياري. ليس تصاغ الأسس النظرية عن طريق التسوية المهادنة داخل مقهى صخبليست النظريات مجالا للبراغماتية بل هي التطبيقات

نهاية الحكاية أن الرابطة الإيديولوجية استولت من جديد على العلاقات بين المعارضين و فرضت مقاضاة أيديولوجية للاسلام السياسي و لمعتنقي ضرورة الإلحاد في تونسفنُسيت من جديد روابط ثقافية أوسع تعريفا للمواطن التونسي.

 

سارت الراديكالية الثورية إلى قبول الفكر الإصلاحي من خلال التحالف الإسلامي الشيوعي الذى أعاد ترتيب التصنيفات الذهنية

على أسس ثقافية أشمل من التقسيم الإيديولوجي للمجتمع التونسي. لكن القوى المحافظة لم تلبث أن أعادت بناء السياج « الحزبي » للادراك والسلوك الراديكاليين و عادت ريم إلي بيتها القديمإلى أن يتم إحياء علوم السياسة بالعاصمة الخضراء.

جمال هاني

باحث في علم النفس المعرفي- باريس

 

 

1نحن نعتمد هنا التعريف العرفا ني للأيديولوجيا للفيلسوفالإسباني Teun , Van Dijk

« Sur le plan cognitif, les idéologies sont un type particulier de système de croyances sociales, stockées dans la mémoire à long terme ». SEMEN, 21–2006, Catégories pour l’analyse du discours politique

 

2Échelle des représentations en mémoire à long terme

 

3Mémoire à long terme

 

4http://www.facebook.com/group.php?gid=221548991061&ref=ts

Laisser un commentaire